السيد محمد باقر الصدر

65

محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )

ونذكر مثالًا آخر من علم الحساب : فقولهم : « إنّ مساوي المساوي مساوٍ لما يساويه ذلك المساوي » عبارة عن مصادرة اعتبروها من مبادئ علم الحساب الأوّليّة التي لا يقام عليها برهان ، وبنوا عليها مسائل حسابيّة أخرى . وهنا نأتي إلى تحديد مصادرات المنطق الذاتي التي لا يكون مطالباً بالبرهنة عليها ، وهي عبارة عن ثلاث مصادرات ، نتناولها في الأبحاث التالية : 1 - المصادرة الأولى : حصول العلم بوصفه أمراً مفروغاً عنه : المصادرة الأولى من مصادرات المنطق الذاتي هي حصول العلم والجزم لدى الإنسان ، بمعنى أنّ المنطق الذاتي يأخذ حصول العلم لدى الإنسان أمراً مفروغاً عنه ولا يسعى للبرهنة عليه وإيجاده عند من لم يحصل لديه . فعند اقتران زوال الصداع بتناول الأسبرين لمرّات عديدة ، يحصل العلم لدى الإنسان بأنّ تناول الأسبرين علّة لزوال الصداع ، وليس من وظيفة المنطق الذاتي البرهنة على حصول هذا العلم أو إيجاده لدى الإنسان ، وإنّما يتعامل معه بوصفه أمراً مفروغاً عنه ، ثمّ تبدأ وظيفته من حيث يحصل العلم المذكور ليفلسف الموضوع ويقدّم تفسيراً لحصوله . ثمّ إنّ المنطق الذاتي عندما يتحدّث عن العلم لا يقصد به اليقين بالمصطلح المنطقي ، وهو الموصوف هناك بأ نّه « مضمون الحقّانيّة » ، وإنّما يتحدّث عن العلم بمعناه اللغوي ، وهو الجزم الذي لا لبس فيه ولا شكّ « 1 » . فالإنسان عندما

--> ( 1 ) « العلم : اليقين الذي لا يدخله الاحتمال ، هذا هو الأصل فيه لغةً وشرعاً وعرفاً » ( مجمع البحرين : 120 )